محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1012

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأوّل ويتميّز عنه في الآخر ، وهاهنا كما كان للّه تعالى أمر على عباده ووعد ، كان للشيطان تشبّه بالحقّ حتّى وعد وأمر لكنّ أمر اللّه تعالى بالمعروف وأمر الشيطان بالفحشاء والمنكر ، ووعد اللّه تعالى المغفرة والثواب ووعد الشيطان الفقر والمسكنة . ومن عجيب نظم كلمات القرآن أنّ العكس والانتكاس ظاهر على الكلمتين ؛ فإنّ اللّه يأمر ثمّ يعد ، والشيطان يعد ثمّ يأمر ، ووعد اللّه بعد أمره وأمر الشيطان بعد وعده . لكنّ اللّه يأمر وهو وليّ الأمر ، ويعد وهو وفيّ الوعد ، فأمره أمر ووعده وعد ، والشيطان يأمر وهو ليس بوليّ الأمر ، ويعد وليس بوفيّ الوعد . وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ذاك وعده وخلفه ، وهذا أمره وسلطانه ، فتبرّأ منه . وسرّ آخر : أنّ جميع حبايل الشيطان تؤول إلى وعده الفقر وأمره بالفحشاء . فبوعده الفقر يأمر بالبخل وتحته كلّ نقيصة نفسانيّة وغضبيّة ، يقول : أمسك عليك مالك ولا تنفق فمع اليوم غد فربّما تفتقر فتتحسّر أنت وعيالك ، ويقول على ضدّ ذلك : افعل ما شئت وكل ما تمنّيت فليس بعد اليوم ( 416 آ ) غد . ففي جانب الحظر يحرّم عليه ماله حتّى لا ينفق على غيره ولا على نفسه ، وفي جانب الإباحة يحلّ القيد عن جميع حركاته حتّى يستبيح كلّ شيء ؛ والفحشاء هو الإباحة والسرقة والزنا واللواطة وشرب الخمر والقمار والقتل وقطع الطريق ، كلّ ذلك من باب الفحشاء ؛ والحاصل أنّ وعد الشيطان كلّه غرور وأماني : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ؛ ووعد الرحمن كلّه صدق وحقّ ، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ فهو الغنيّ الحميد الواسع العليم ، الغنيّ حيث يستغنى به ولا يستغنى عنه ، الحميد حيث يرغب إليه ولا يرغب عنه ، الواسع الذي لا تفني خزائنه المسائل ، العليم الذي لا تبدل حكمه الوسائل . انظر كيف تقدّرت معاني الأسماء الأربعة في الاثنين على معاني كلمات زين العابدين - عليه السلام - في الدعاء 189 كأنّها استنارت من مشكاة واحدة .